منذ اليوم الذى قرر فيه الجنس البشرى أن يكون خاضعاً لرجل أو نظام، اختلفت أنظمة الحكم؛ بدءاً من الفرعون مروراً بدولة «إسبرطة» وشيوخ روما، وليس انتهاءً بالملكيات والجمهوريات، كما تنوعت نظريات الحكم بين الديكتاتورية والديمقراطية. وكعادتنا، انفردنا نحن المصريين باختراع أنظمة حكم فريدة من نوعها؛ كان أولها حكم الإله، وأغربها حكم العبد «المملوك»، وآخرها نظرية «التوك توك».
يقول قاموس القانون إن مهمة شرطة المرور هى تطبيق قواعد المرور وضبط المخالفين. لهذا ينتشر رجال شرطة المرور فى كل مكان؛ أحدهم «يلطع» ورقة مخالفة لسيارة مركونة صفاً ثانياً، وآخر يستوقف قائد سيارة لا يضع حزام الأمان، وثالث يسحب رخصة سائق يسير فى الاتجاه المعاكس، ورابع يستوقف سيارة دون لوحات أو مواطناً يقود سيارة دون رخصة قيادة... وهكذا.
وعندما تقلّب فى كتاب قانون المرور، لن تجد فيه أى إشارة لذلك الكائن الخرافى الصغير المسمى «توك توك»، ذلك المسخ الذى نشأ أصلاً فى الهند وجاء مصر واستوطنها تدريجياً فى العشرين سنة الأخيرة، وتقدر أعداده بنحو مليونين. هذه الآلات التى تشبه البراغيث لا حق لها فى الوجود أصلاً، فلا رخصة للسائق ولا رخصة للبرغوث. كما يلزم الكتاب نفسه الشرطة بضبط من يقودون «موتوسيكل دون لوحات»، خاصة بعد أن صار يستخدم مؤخراً فى عمليات إرهابية.
وأسفل كوبرى «فيصل»، ستجد مقر إدارة «مرور فيصل»، الزحام هنا شديد، مواطنون يدفعون الأموال سواء أكانت رسوم استخراج التراخيص أو لسداد غرامات المخالفات والجرائم التى ينص عليها قانون المرور. وأمام كهف مرور فيصل جيش من البلطجية؛ أحدهم يتقاضى إتاوة ركن السيارة، وآخر يتقاضى إتاوة توجيهك إلى صف السيارات التى تنتظر الفحص الفنى، وثالث يراودك لكى يستخرج لك ما تريد من تراخيص مقابل مبلغ معتبر. وإضافة إلى هؤلاء جيش من «براغيت التوك توك» يتحرك بنشاط جيئة وذهاباً، وبين كل توك توك وآخر موتوسيكل دون لوحات، وربما ستلمح أحد ضباط المرور يعبر الشارع بين الموتوسيكلات والتكاتك، ولا أحد هنا يطبق القانون رغم أن المخالفين فى متناول يده.
ولا يختلف نظام حكم مصر عن نظام التوك توك، فالمجرم واضح ويقف بثقة فى موقع الجريمة، لكن النظام لا يراه أو لا يريد أن يراه، ربما لأن الأنظمة فى بلادنا تعتقد أن الفوضى هى المكان الأنسب لتثبيت مقاعد الحكم، لهذا لا يريد النظام أن يتخذ موقفاً صارماً تجاه أمريكا وقطر اللتين تمولان الإرهاب والفوضى، ولا تسعى أجهزة الأمن بجدية خلف صفحات المحرضين على الإرهاب رغم أن الوصول إليها سهل جداً، ولا يسعى النظام إلى بسط سيطرته على محافظات الصعيد التى يحتلها حلفاء الإرهاب، ولا يسعى النظام إلى حل المشكلات التى تندلع بسببها الاحتجاجات الفئوية.
النظام يريد التوك توك لأنه دليل الفوضى والعشوائية، والقاعدة غير المعلنة تقول: «ما دخل التوك توك بلداً إلا وأفسده».
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق